في ضيافة الجيش الصحراوي.

خالد بوفريوا
(طالب جامعي)

امهيريز/ الصحراء الغربية. منتصف اب_أغسطس من العام المنصرم، جغرافيا تلتهم الأفق و أي أفق ؟؟
أفق التمرد و الرفض المنبثق من نظرية التحرر و الذود عن حرمة الحدود و الشرف و العرض، و لا شيء يتراءى لك و أنت تُمحلق بين طيات طوبوغرافيتها المتكاملة سوى اللافراغ الذي يُحاكي شريط التاريخ. تاريخ الأمس القريب، يوم كان لأزيز الرصاص الكلمة العليا وجلبة المقاومة اليد الطولى ولاشيء يعلو فوق وغى حرز المكاسب و الانتصارات الحقة و الزحف المتريث نحو مرمى العيون و منطلق القلوب و محط الألباب، حدود لا حدود للوطن المتقاطر النازف.
ضيافتنا كانت بين ظهران الجيش الصحراوي (الناحية العسكرية الرابعة بمنطقة امهيريز شرق الصحراء الغربية)، هذه الاخيرة التي كانت مسرحاً مكتظاً لحرب عشواء بين (جبهة البوليساريوا Polisario Front) كحركة تحرير تدافع عن مطالب شعب الصحراء الغربية وبين من ارتكن لزاوية المُطالبة بأرض أقرب جيرانه (المملكة المغربية). اليوم، وما إن هدأت المدافع عن اصطكاكها المعتاد و استلقت المنطقة المثخنة بالحرب _كاستراحة محارب ليس إلا_، أصبحت في استهلال وفود من كل أمصار هذا العالم باختلاف خلفياتهم المهنية أو خصوصياتهم الثقافية. حجوا من منطلق قناعة التضامن و التآزر ومن محيى المصير الإنساني المشترك ليعلنوا للعالم بتفرعات أصقاعه أن شعب، نعم شعب بشمال افريقيا لم تُتح له إمكانية تشدق بمصيره و تقرير كينونته بنفسه و لنفسه.
انطلقت رحلتنا مع غبش الصبح المتلألئ من موطئ اللاجئين الصحراويين (جنوب غرب الجزائر) في إتجاه ’’منطقة امهيريز’’ مرادنا و محج برنامجنا القادم، وعلى طول شريط الطريق و أنت تصارع اللاوجود الغير موجود. اللهم بضع سيارات المينورسو MINURSO التابعة للأمم المتحدة UN أو مدرعات الجيش الصحراوي الشعبي المرابطة على طول الجدار المغربي أو مركبات المدنين الصحراويين أو الموريتانيين أو غيرهم … خصوصا عند اقترابنا من محطتنا الأخيرة ’’بلدة امهيريز’’، لفت انتباهي أن الطريق أصبحت تجارية بامتياز بحكم بعدها عن ’’بلدة بئر مغرين الموريتانية’’ سوى 100 كلمتر. وما إن تترامى لك تخوم ’’امهيريز’’ بحدود الناظر حتى تلقى ترحيبا و استقبالا كاثوليكيا من أعالي ’’سلسلة رغيوة الجبلية’’ الحارسة على الوجود الغير متزحزح للحق الذي يأبى الاندثار. وبشكل وبأخر بعد أن أسدل الليل الحالك ستاره أصبحنا بعمق الناحية العسكرية الرابعة للجيش الشعبي الصحراوي و بضبط بضيافة الوحدة العسكرية الثانية، و الكل يتمتم منطق البساطة الغير مصطنعة و يتحلى بأخلاق الثوريين المثالية كا : كاسترو، ماو، لومومبا، جيفار…. وأولى أولوياتهم الدفاع عن حقهم في الوجود تحت الشمس كسائر شعوب المعمورة و العيش بحرية و سلام تامتين .
مرت الأيام تلوا الأيام ونحن نتدحرج من داخل نظام العسكري Système Militaire وبرنامجنا كشمعة ذائبة التي تقتات من قوامها وكلنا تطلع لعظمت الأتي بمعية جنود و أطر الجيش الصحراوي على أرض سيادية دُفع ثمنها بأنفس النفائس، بل و الجوهر الذي يقتنصه اللبيب بالإشارة فقط من كل هذا الذي يتراقص أمامه هو (المشعل) الذي وجب وبضرورة الاستمرار في حمله كنعش مزركش وسط جموع غفيرة من المؤيدين، حمله من أجل صيانة الأمانة الجوهرية و أداء الرسالة التاريخية و إتمام المسير الشائك، لأن موكب التحرر غير معبدة ببساط الملوك الأرجواني _هكذا درسنا تجارب التاريخ_ بل مكفهر و دامي حتى.
إن الخوض بتجارب التحرر الوطني _ولو بشكل نسبي و مؤقت أو لحظي_ يترك في ترسبات الذات دفقة شعورية غريبة تتركك هي الأخرى تتطلع لعظمت الغايات القادمة مهما كبرت وتوحي لك بطول ممشى الطريق الغير مُعبد، كل هذا على ناصية (الرفض) بدل قول “نعم”، (الإنتزاع) بدل “العطاء” و (الشموخ) بدل “الإنبطاح و الرضى”. وفي الأخير أستحضر بكل خشوع البوركيني ’’توماس سانكارا’’ وما قاله :
الحرية تؤخذ ولا تعطى.