إتبع التمويل .. !! ..

بقلم : عبداتي لبات الرشيد
” .. توضيح قبل قراءة التدوينة .. أنا مواطن عادي ولا أحمل غير صفة مواطن .. وانا هنا .. هنا بمخيمات اللاجئين وأرفض مغادرتها نهائيا تحت أي ظرف إلا الى وطني مرفوع الرأس .. أعمل وبكل فخر وقناعة في مؤسسسة من مؤسسات الدولة .. أمخممني وأنا مهموم بمستقبل الأجيال القادمة .. ولأجلها وبلطف وتحضر أحارب العقليات والذهنيات البائدة والمتخلفة والتصرفات السيئة والفاسدة بعيدا عن الشخصنة والسطحية .. ليست لدي أية مشكلة مع أي كان ومن لديه مشكلة معي فهو لديه مشكلة مع أجيال بأكملها وهو متورط في مصادرة حقها الواجب علينا في التأسيس لمستقبلها في أن لا يكون غامضا أو مظلما .. لذلك فأنا أصغر من أن أكون مشكلة في حد ذاتي ولكنني أكبر من أن أخوض معارك مع أشخاص في قمة التفاهة والتمصلح والإنتهازية او مع حاشيتهم او مع عبيدهم او مع منتسبي نهجهم وطرقهم وسبلهم الملتوية والبائسة .. ” ..
يحكي فيلم هو بالنسبة لي واحد من أروع الأفلام التي أنتجتها هوليود وهو من بطولة الممثل العظيم دينزل واشنطن والممثل الرائع كلايف أوين ومن إخراج سبايك لي وقد أنتج العام 2006 .. عنوان الفيلم هو “Inside Man” ويحكي قصة سرقة بنك تابع لمجموعة رجل أعمال ورط نفسه قبل عقود بجرائم كبيرة من خلال التعاون مع الشيطان وحصل مقابل ذلك على أموال كثيرة سيصرفها بعد ذلك في تأسيس شركات إقتصادية عملاقة وسيؤسس أيضا مؤسسة خيرية كبيرة في محاولة منه للتكفير عن تورطه السابق مع المجرمين وليرتاح من لعنة وخز الضمير التي تطارده .. وحتى لا أطيل عليكم سرد تفاصيل الفيلم الممتع الذي يمكنكم وببساطة شديدة مشاهدته على اليوتوب فما يهم هنا هو قصة الخاتم .. الخاتم اللغز في عملية السطو التي حيرت المحقق الفديرالي الذي أخذ يسأل نفسه كيف تسطوا مجموعة مسلحة على بنك به ملايين الدولارات ولا تخرج بدولار واحد من العملية الخطيرة .. سيترك السارق للمحقق رسالة وسط صندوق الودائع البنكي الذي يحوي الخاتم مكتوب فيها .. “إتبع الخاتم” .. وسيتبع المحقق الخاتم فعلا وسيكتشف حجم جرائم رجل الأعمال البارز وصاحب الأعمال الخيرية الشهير وسيعرف أن الرجل ما كان سوى شيطان يختبيء وراء ماضي ملوث بالتورط الفاضح والتستر الرهيب على حقائق مرعبة باع ضميره مقابل الصمت لدفنها والى الأبد .. منذ مدة ليست بالبعيدة كنت في جلسة رائعة مع شاب مثقف جدا ومؤدب جدا وخلوق جدا .. هو واحد من الذين خدعهم هذا الواقع المزيف .. تخرج من الجامعة بأحلام وردية ليصدم بعد ذلك بكوابيس الواقع المر الذي نعيشه .. إنه الشاب “الشومار” “الطايحة بيه” لكنه أيضا هو الذي كان بإمكانه أن يضيف الكثير الجميل وذو القيمة الى أي مؤسسة عمل بها لو أتيحت له الفرصة بعيدا عن وساخة المنافقين و”الشياتين” والقبليين و”لمسخين” من الطحالب والطفيليات المتسلقة والذين تمكنوا وفي لحظات صمت ونأي شعبي غير مبرر وتقاعس رهيب وفاضح من النخب الحقيقية والوطنية الغير مزيفة التي فر منها الكثير وغاب او غيب المتبقي منها، ليتمكن التافهون من السيطرة على مفاصل هذا البلد البائس .. كل مفاصله بدون إستثناء .. قلت .. كنت في جلسة معه فحدثني عن تكليفه بمهمة وطنية شاقة ومتعبة .. فسألته من المسؤول عن هذه المهمة .. ؟؟ .. قال لي .. فلان .. فقلت له .. “إتبع التمويل” .. لم يفهم صديقي القصد قبل أن أشرح له .. فضحك كثيرا وهو يهز رأسه من الأعلى نحو الأسفل والعكس ويكرر كلمة واحدة .. إتبع التمويل .. إتبع التمويل .. !! ..
التمويل الذي وتحت غطاءه أصبح جل المسؤولين أثرياء .. التمويل الذي يحصل بضم الياء بمعاناة الناس وآلامها ومأساتها ودموعها ودماءها وقصصها الحزينة ثم يذهب كله او جله وببساطة الى جيوب المسؤولين .. التمويل الذي ذهب صديقي كنموذج فقط لآلاف البسطاء من أبناء هذا الشعب .. ذهب “يتكركر” ف “الويل وشين السعد”، في عز الصيف يتصبب عرقا ليؤدي مهمة شاقة سيحصل المسؤول التافه عنها على ميزانية تكاليفها المضخمة أصلا والمزورة الفاتورة، سيحصل عليها وهو “راگد” ناشر أفراشوا “يتكرطن” ويزايد على الناس في الوطنية .. التمويل يا جماعة الذي يسارع كثير من نخبنا المزورة و”المستهديا” والمعبدة طرقها فقط الى سبل الإسترزاق والثراء السريع الى البحث عنه والوصول إليه وبأي ثمن عن طريق التعيين في وظيفة مريحة او بالطمع الفاضح والمبتذل في مرسوم رئاسي او وزاري يصعد بهم الى حيث أماكن ومناصب ومخازن التمويل والغنى الفاحش الذي يحصل بلا قطرة عرق واحدة بل بالنفاق و”الهز” والقبلية والإبتزاز والولاءات المخزية لغير الله والوطن والشعب ..
ولو إتبعنا التمويل لعرفنا من أين لكل هذه الفطريات بكل هذه الأموال والبنايات الفارهة التي لا تراعي مشاعر الناس البسيطة في المخيمات ولعرفنا من أين لهم بالنقود التي بفضلها إشتروا الديار والفيلات في الدول المجاورة وغير المجاورة .. لو إتبعنا التمويل لعرفنا من أين لهؤلاء الأوغاد بكل هذه الأموال التي بفضلها أصبحت لديهم قطعان الإبل والغنم .. الإبل والغنم التي يسارعون اليوم خاصة وكلهم الى شراء أعلافها المكلفة ماديا، يشترونها رغم ذلك كأولوية على حاجيات الناس البسيطة .. نعم أعلاف الإبل والغنم المكلفة هي أولوية في زمن الشدة .. الشدة التي لا يكبر ولا “يسمن فيها سوى سو” ..
“إتبع التمويل” .. تمويل أي شيء .. مشروع .. رحلة .. تغذية .. مهرجان .. مؤتمر .. ندوة .. إجتماع .. كذبة .. وهم .. “أتبلعيطة” مسرحية .. مدرسة .. مستشفى .. روضة أطفال .. مناسبة .. كتابة شعارات .. تكرير شعارات .. إصلاح سيارة حكومية .. تبديل عجلاتها او زيوتها .. إبل .. غنم .. أرانب .. ديوك .. كل شيء له تمويل في هذه البلاد التعيسة .. التمويل الذي سيسرق لاحقا وسيحول جهارا نهارا .. وحدها الأفكار لا تمويل لها ولا قيمة .. الأفكار لها اللعنة .. اللعنة .. !! ..
وهذا هو الحال والمحال في زمن العهر الذي تعهر فيه كل شيء و”باخ” و”أسماط” ولم يعد له لون ولا طعم ولا قيمة ..