12 أكتوبر؛ الوفاء للأمة الصحراوية.

“أعظم القوى لا تكمن في العدد بل في الاتحاد”. توماس باين.
في هذا الوقت الذي يحتفل فيه الشعب الصحراوي بالذكرى السنوية الخامسة والأربعين ليوم الوحدة الوطنية، أردت أن أغوص في أعماق الزمن لاستيعاب الدروس وبعض العبر من الماضي، وتحديدا تلك التي تؤكد حيوية مفهوم الاتحاد بالنسبة للشعوب، خاصة الضعيفة والمهددة بغطرسة الدول التي لا تتردد في العدوان والدوس على جيرانها.
المجتمعات البدوية وبمجرد ما تتجاوز مرحلة التمزق واكتساب الوعي الضروري بأن الاتحاد يزيد قوتها أضعافا مضاعفة، غالبا ما تتجاوز مرحلة العصبية (الولاء الشديد للقبيلة مع رفض الآخر)، ليصبح التشتت المزمن تماسكًا، ايذانا ببداية مسار من التقدم الذي لا يمكن إيقافه نحو هياكل تنظيمية أعلى، وبالتالي نشأة الدول.
فيما يلي ثلاثة أمثلة توضيحية في التاريخ، عن ولادة وصعود شعوب من البدو الرحل الذين تمكنوا، بعد تجاوز الانقسامات القبلية، من الانبعاث كدول وإمبراطوريات؛ العرب في شبه الجزيرة العربية، والشعب المغولي في صحاري منغوليا، والمرابطون في الصحراء الغربية وموريتانيا.
قبل ظهور رسالة الإسلام الموحدة، كان العرب قبائل تجول الصحراء العربية وعاشوا تحت ظلال إمبراطوريتي بلاد فارس وبيزنطة، في رحلة تدمير ذاتي على وقع السيوف وقصائد الهجاء والخطب اللاذعة. بسبب عداواتهم ونزاعاتهم المستمرة اكتسبوا مهارة حربية كبيرة صقلتها قسوة الصحراء والغارات البينية المتكررة. لقد تم استخدامهم، في الصراع القائم بين هاتين الأمبراطوريتين، بشكل مستمر كمرتزقة وحطب الحروب وحُكم عليهم بالعيش محتقرين على هامش التاريخ. لكن الاتحاد ورسالة الإسلام الواضحة لاحقا، أحدثا الاختلاف وقلبا موازين القوة بشكل راديكالي وأفضيا الى وضع مناطق نفوذ إمبراطوريتي فارس وبيزنطة وكنوزها تحت أقدام وسيطرة سيوف القبائل العربية. من كانوا يعتبرون، في وقت سابق، أجلافا غير متحضرين، تحولوا بقدرة قادر الى واحدة من أرقى الإمبراطوريات في تاريخ البشرية.
مثال آخر، جحافل منغوليا التي تعتبر نموذجا في التاريخ للتدليل على أن الانقسام والحروب القبلية الداخلية دائمًا ما تؤدي إلى العجز والضعف والخضوع الدائم للسيطرة الأجنبية. لقد عاشت قبائل تلك المنطقة على أطراف الإمبراطورية الصينية التي كانت تنظر اليهم باحتقار على أنهم برابرة، فرحلوا للعيش في صحاري وسهول منغوليا القاسية، لذا تم بناء سور الصين العظيم لإبقائهم معزولين وللسيطرة عليهم. لكن، وكنتيجة لظروف وديناميكيات داخلية توصلت القبائل المغولية إلى نفس الاستنتاج الذي توصلت إليه القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية قبل خمسة قرون الا وهو أن في الوحدة تكمن القوة. أصبحت تلك الجحافل شعباً موحداً وأنشأت بشكل مثير للدهشة أكبر إمبراطورية في التاريخ (من الصين إلى أوروبا الشرقية)؛ لقد تجاوزوا السور العظيم، واقتحموا الصين، واحتلوها وأنشأوا واحدة من أقوى السلالات في التاريخ الصيني – سلالة يوان (1279-1368).
كان موحِّد تلك الجحافل القبلية، جنكيز خان، يجمع أبناءه ويعطي سهمًا منفردا لأشدهم قوة وشجاعة ويأمره بكسره وهو ما يتمكن منه بيسر؛ وبعد ذلك يسلمه ربطة سهام مشدودة الوثاق بعضها لبعض، ويأمره بكسرها بيديه، وهو ما يعجز عنه الابن بسبب تماسكها. كان ذلك هو جوهر العبرة التي أراد تلقينها لأطفاله قائلا؛ “طالما بقيت جحافل منغوليا متحدة ومتماسكة فلن تتمكن أية قوة في العالم من قهرهم”.
المثال الثالث يتعلق بالمرابطين في الصحراء الغربية وموريتانيا بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد والذين توصلوا كذلك الى نفس استنتاج العرب والمغول. لقد تجاوزت القبائل المكونة للمرابطين لمتونه، كدالة ومسوفة الفوضى المستمرة والخلافات والغارات والغارات المضادة للسيطرة على بئر أو سلب قطيع من الجمال أوالتحكم في طريق للقوافل وفجأة، تمكنت من تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف امتدت من مالي إلى شبه الجزيرة الأيبيرية. لقد عملوا بنفس الصيغة والاستنتاج القاضي بأن الوحدة مرادف للقوة وطريق آمن لتسريع عجلة النمو والتقدم الاجتماعي. لقد أطلقوا على أنفسهم اسما جديدا، المرابطين، تعبيرا عن رفضهم للقبلية التي كانت ترمز إلى الانقسام والضعف.
أثبت التاريخ أن المجتمعات البدوية محكوم عليها بإحداث قفزات نوعية في تطورها من القبيلة إلى الأمة، والا فسيحكم عليها بالتبعية والخنوع لكيانات أخرى أكثر تقدماً.
لست هنا بصدد إعطاء درس في التاريخ من خلال هذه المقاربة ولا الحكم على أفعال أي من تلك الأمبراطوريات، ولكن فقط من أجل التأكيد على فكرة واحدة وهي أن هذه التجارب الانسانية في فترات تاريخية معينة، تبقى قابلة للاسقاط على حالتنا، فبدون اتحادنا سوف نستمر في الرزوح تحت سيطرة الأجنبي! كما أنني لا أهدف الى محاكاة بناء الإمبراطوريات، والذي يعتبرا ارثا حصريا للمملكة المغربية، ولا مقارنة أنفسنا بأي كان، لأن هدف شعبنا الأساسي هو أن نعيش في سلام فحسب. لكن، بطبيعة الحال، مجبرون على الكفاح بكل ما أوتينا من قوة ومهما كلف الثمن، ضد تطبيق المفاهيم البالية لبناء الأمبراطوريات، في الألفية الثالثة، واقامتها على أنقاض بلادنا ومقابر شعبنا. خياراتنا محدودة لكنها واضحة للغاية، اما العيش بحرية كدولة مستقلة في سلام وانسجام مع بقية البلدان المغاربية أو الانزواء في كيطوهات في أطراف ضواحي المدن في البلدان المجاورة.
كل التجارب والأمثلة التاريخية التي أشرت إليها هي شهادات لميلاد وصعود حضارات قديمة كان لها أيضًا أخطاؤها، مظاهر انحطاطها، وبالتالي أفولها.
نفس الديناميكية التاريخية تستمر في تشكيل قالب الولادة المؤلمة للأمة الصحراوية ويكفي أن نتمعن بدقة في معاناتنا الطويلة والتأخر في تحررنا والأسباب التاريخية التي تضافرت لإحباط هذا المسار، كيما نكتشف أن جذور ذلك تكمن في نفس المبادئ والاستنتاجات المشار اليها سلفا. فالمقاومة البطولية للتغلغل الاستعماري في المنطقة منذ بداية القرن العشرين حتى عام 1934، وكذا أحداث 1957-1958 ذهبت سدى. ثمار تلك المقاومة حصدها غرباء نتيجة انقساماتنا الداخلية وعدم وجود هيكل سياسي يوجه النضال وينظمه ويتفاوض في الوقت المناسب باسم الشعب الصحراوي. ونتيجة لذلك، تعرضنا للإذلال في بلدنا، وتم تقسيمنا وتشتيتنا كالماشية، واحتُلت أراضينا وقطعت أوصالها. للأسف، من السهل هدر جهود الأجيال وتقويض ما تم تحقيقه بالتضحيات الجمة و”الدم والعرق والدموع” بسبب العودة إلى “العصبية” والرغبة الجامحة في السلطة لدى النخبة وهو ما شكل نقطة ضعفنا المزمنة.
في الوقت الذي حافظ فيه المرابطون على وحدتهم وابتعدوا عن الخوض في القضايا القبلية البينية وتصدوا بحزم للطموحات الفردية للسلطة، استمر حكمهم وتوطدت دعائمه، لكن حين اشتعل الصراع بين قادتهم ابوبكر بن عمار ويوسف بن تاشفين، برزت الانقسامات ووهنت القوة مما أدى الى انهيار نفوذ الأمبراطورية وحكمها.
وفي التاريخ العربي قد تبدو “الفتنة الكبرى أو الحرب الأهلية” المترتبة عن استشهاد الخليفة عثمان بن عفان والنزاع الدموي على السلطة بين علي ومعاوية حول الأحقية بخلافته في فجر الإسلام حادثا بسيطا وبلا عواقب بالنسبة للبعض. بيد أنه، في الواقع، يشكل جرحا عميقا أثر إلى الأبد على مجرى تاريخ الحضارة الإسلامية العظيمة. لقد أثر على طريقة الحكم وأفضى الى بروز تيارات عديدة ومتصارعة في الفقه الإسلامي سيتردد صداها إلى الأبد في المجتمعات الإسلامية.
لنظرية ابن خلدون التاريخية في التعاقب أهمية عميقة في المأساة الصحراوية وفي تطور ومستقبل الشعب الصحراوي؛ فروح ومعنى وحدتنا الوطنية والتي يجسدها رمزيا يوم 12 أكتوبر 1975، يكمن في البشرى بإعادة انبعاث شعب الصحراء الغربية من رماد حضارة المرابطين. من رحم ذلك الرماد انطلقت بالفعل قافلة الأمل الجديدة تشق طريقها. لا أحد، أيا كان، لديه الحق للتدخل في عرقة تلك المسيرة الحتمية.
والآن، ليس من المستغرب أن يكون هذا اليوم هدف حملة شرسة لنفث السموم وتبخيس المكتسبات بل وشيطنة الكيان من قبل أولئك الذين يسعون إلى محو الشعب الصحراوي من التاريخ .. دعونا نتعلم من ماضينا ومن عثرات ونجاحات الشعوب الأخرى!

علين حبيب الكنتاوي
12 أكتوبر 2020