الإمعان في المنكر

الإمعان في المنكر بسم الله الرحمن الرحيم “يقول الله تبارك وتعالي في الآية 2 من سورة المائدة “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ” صدق الله العظيم. عكس ما تأمر الآية الكريمة أبت كل الممالك والإمارات العربية إلا أن تمعن في الابتعاد عن الحق وتصدر بيانات تضامنية مؤيدة للمغرب وما يقوم به من تحد للشرعية الدولية واعتداء آثم على جيرانه الصحراويين، متنكرا لما سبق له أن وقع عليه من اتفاقيات تحت إشراف الأمم المتحدة، هذا الإصرار والإمعان في التعاون على الإثم والعدوان، أمر يستدعي بعد الاستنكار والإدانة وقفة تأمل. لأن ما يثير الاستغراب ليس السلوك المغربي، فهذا ما عرف عنه من تطاول وغش وخداع، إذ يستلهم خططه وأفكاره من التجربة الإسرائيلية، التي خبر الشعب الفلسطيني حيفها وظلمها وجحيمها سواء ما تعلق بجانبها العسكري وبناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي الذي يشابهه جدار الذل والعار المغربي في الصحراء الغربية، أو أساليب القمع الرهيبة ضد الأبرياء العزل وتلفيق التهم والمحاكمات الصورية، أو ما يمتازون به ـ إسرائيل والمغرب ـ من أساليب ملتوية في التفاوض، حيث يجب أن يكون التفاوض على الحرف والكلمة والنقطة والفاصلة، مع قدرة خارقة على التحريف والتزييف والمراوغة، والالتواء والتهرب من الالتزامات، لكن ما يثير الاستغراب حقا هو تداعي دول الخليج وهبتها لنصرة الظلم ودعم المعتدي ووحدتها في ذلك الموقف المدان غير المشرف، المتعارض مع سماحة الدين والمنافي للشرعية الدولية. فالمعروف أن تلك الدول فاشلة في علاقاتها البينية، ويتآمرون على بعضهم كجيران، حيث ما تزال قطر محاصرة، واليمن في جحيم، فما هذه القدرة العجيبة على الاتحاد لنصرة الظلم؟ ما تؤكده وقائع التاريخ، وحقائق الواقع المعاش اليوم أنهم فاشلون بل ويرفضون نصرة الحق، أي نصرة فلسطين التي هي كرامة ومجد كل العرب حكاما ومحكومين، فهم يبيعونها كل يوم وأولهم نظام المغرب، ولا أقول نصرة الشعب الصحراوي، لأننا تعودنا على ظلمهم وطعناتهم الحاقدة المسمومة. فشلوا في إخراج العراق مما يتخبط فيه من أزمات منذ الغزو والاحتلال الأمريكي له، فشلوا في مساعدة الشعب الليبي بعد أن اتحدوا على التآمر عليه وتدمير كل مقدراته كنظام وكبلد، فشلوا في التصالح مع سورية بعد أن غدروا بها وبعد أن افتضح تآمرهم وغدرهم، بعبارة أخرى، تجدهم في جميع القضايا التي تهم العرب متفرقون وقلوبهم شتى، كل يكيد للآخر ويستعين بالأجنبي، إلا في التآمر وإعانة الظالم ودعم العدوان، ولا أدل على ذلك من تسابقهم إلى إصدار البيانات الفظة بإجماع خلف نظام المغرب، الذي هو كبيرهم الذي علمهم السحر. شاهد العالم أجمع ما أقدمت عليه مملكة المغرب من تجاوز وتعال على مقتضيات الشرعية الدولية مجسدة في الاتفاق المبرم بينها مع جبهة البوليساريو بإشراف الأمم المتحدة والوحدة الإفريقية سنة 1988 والذي أفضى إلى وقف لإطلاق النار ضمن خطة لتسوية قضية الصحراء الغربية عبر استفتاء لتقرير المصير، عرفت حينها بـ “خطة التسوية الأممية الإفريقية لإجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية”، وما ترتب عن ذلك الاتفاق من تشكيل مجلس أمن الأمم المتحدة لبعثة لتنظيم ذلك الاستفتاء بموجب قراره 690 في شهر إبريل 1991، تحمل نفس الاسم: “بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية” والاتفاق التكميلي المعروف باسم الاتفاق العسكري رقم 1، الذي وقع عليه طرفي النزاع البوليساريو في شهر 12/1997 والمملكة المغربية في يناير 1998 مع البعثة الأممية. نصت كل تلك الاتفاقات المنوه عنها، على الحفاظ على الوضع القائم لحظة دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 6 سبتمبر 1991، حيث يمتنع الموقعان ـ طرفا النزاع ـ عن إجراء أي تغيير أو تعديل على الواقع السياسي والجغرافي للإقليم، وحددت خطوط الفصل ومسافات التباعد بين القوات. الأمر الذي لم يلتزم به المغرب منذ الوهلة الأولى، حيث جلب مواطنيه من الشمال ضمن خمس مسيرات بشرية لتغيير البنية الديمغرافية للمنطقة، وعرقل عمل البعثة تارة بمنعها من التجول وتارة بإجبارها على حمل ترقيم مغربي لسياراتها، وتارة بمحاولة الزج بآلاف المغاربة ضمن لوائح المصوتين، مع استمرار غلق المنطقة أمام المراقبين الدوليين وطردهم بالعشرات سواء كانوا برلمانيين أو أكاديميين أو إعلاميين، أو نشطاء المجتمع المدني. وفي سنة 2002 أقدم على فتح ثغرة في جداره الدفاعي المحفوف بأزيد من 7 ملايين لغم أرضي في الجزء الجنوبي الغربي من الصحراء الغربية المحتلة، في المنطقة المعروفة باسم الڭرڭرات (GARGARAT) ورغم اعتراض الأمم المتحدة واحتجاج جبهة البوليساريو، لم ينصت المغرب، وإنما أمعن في خرقه ليحوله إلى ممر تجاري نحو موريتانيا وبقية إفريقيا الغربية، واهما نفسه والعالم بأنه حسم القضية لصالحه. محأمام تعنت المغرب، واستهتار مجلس الأمن، وتخاذل الأمانة العامة للأمم المتحدة، وخرس وخنوع البعثة الأممية في الصحراء الغربية، قررت هيئات المجتمع المدني الصحراوي التظاهر سلميا أمام الثغرة غير الشرعية المستخدمة من قبل المغرب لنهب الثروات الصحراوية، ووضع المنتظم الدولي أمام مسئوليته في تنظيم الاستفتاء الذي اتفق عليه منذ ثلاثة عقود. بعد ثلاثة أسابيع من التظاهر السلمي وفي يوم 13 نوفمبر 2020 قرر المغرب الاعتداء على المتظاهرين سلميا بقواته الملكية وبلطجيته الأمنية، مما اضطر الجيش الشعبي الصحراوي إلى الدفاع عن المدنيين العزل. وللإشارة، سبق لجبهة البوليساريو أن طالبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالضغط على المغرب للتوقف عن هذا الخرق السافر لاتفاق وقف إطلاق النار والعودة إلى ما كان عليه الوضع عشية وقف إطلاق النار، ولم يحركا ساكنا، كما أعلنت الجبهة في بيانات متتالية أنها ستدافع عن مواطنيها، وأن خروج أي جندي أو عنصر أمن، أو مدني مغربي من جدار الذل والعار المغربي، فإن ذلك سيعني انتهاء وقف إطلاق النار. لم يأبه المغرب لكل ذلك، بل قرر الاعتداء، مثلما لم تحرك الأمم المتحدة ومجلس أمنها ساكنا، وهكذا تعاونوا على تدمير اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة المنطقة إلى المربع الأول أو نقطة الصفر، فاندلعت من جديد نار حرب الصحراء الغربية التي سارعت إمارات وممالك العرب إلى تأييد اشتعالها، وصب الزيت على نارها حتى لا تخمد. ألا يحق للمتتبع العربي دون سواه أن يتساءل: ما سر ذلك؟ ألم يفكروا في أن القاتل والمقتول عربا؟ لا أظن أن الأمر يعود لعدالة الموقف المغربي ولا شرعيته، فالمواثيق الدولية كلها تقر عكس ما يدعيه المغرب، وليس لأن المغرب يمتلك حق الفيتو في مجلس الأمن وقادر على التأثير على التوازنات الدولية، وطبعا المغرب لا يمتلك قوة اقتصادية وتطور تكنولوجي وعلمي يجعل مثل تلك الدول تلهث وراءه للاستفادة منه أو لاتقاء غضبة، والمغرب ليس بلدا مجاورا لأي إمارة أو مملكة عربية وتحاول تجنب متاعب متعلقة بأمنها وأمن حدودها، فما الدافع إذا؟ هل للمخدرات المغربية والسياحة الجنسية في المغرب علاقة بالأمر؟ أم أن هناك أيادي أخرى خفية هي التي تدير من وراء الكواليس كل تلك الدول بكبيرها وصغيرها؟ مصطفى الكتّاب ١٥ نوفمبر ٢٠٢٠