نحو رؤية تأسيسية متكاملة للتغيير.

بقلم : ابراهيم داهي.

استوعبتُ من درس السوسيولوجيا في المدرجات الجامعية والحلقات الفكرية ان الازمنة السياسية على إختلافها ظلت ولا زالت كذلك تمثل ساحات التموقع لانتاج واعادة انتاج شروط صراع مرير تخوضه النخب المثقفة المناضلة ونظيراتها السياسية٠ وعلى الرغم من ان أشكال الصراع والكدح تظل محكومة بطبيعة النخب نفسها وسياقات وجودها السياسية والثقافية والعقائدية ,فإنني قصدت هنا في هذا السياق المثقف المناضل او العضوي كما يسميه غرامشي.
هل يمكن الحديث بهذا المعنى عن حالات متجددة متجذرة من الصراع والتعارض الدائمين؟؟ ام ان الامر يتعلق باستراتيجيات مؤقتة لاختبار القدرة على الصمود في وجه محاولات الاحتواء والتدجين التي تؤطر في العادة مارب الفاعل السياسي خاصة عندما ينال المغانم والمكاسب ؟؟ وهل في الجانب الآخر تتقوى وتزداد صلابة مقومات تجميع القدرة لدى المثقف المناضل على تنويع المقاومة وتصعيد خيارات الرفض والمعارضة لكبح جماح النزعات الانتهازية والتصدي لخطط الترويض والابتلاع؟؟؟
شهد المجتمع الصحراوي بعد اندلاع الثورة مجموعة من التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى كانت كفيلة بإحداث التغيير الجذري في مجموع المعايير والقيم الجمعية بما يعني تحولات بنيوية نحو منحى تقدمي تم خلاله تثوير البنيات التقليدية ومنظومتها القيمية المحافظة بعد الانتقالة النوعية الى طور وظيفي شامل يعتمد دينامية الفعل الفردي في شتى المجالات خاصة وأن استحقاقات حركة التحرير كانت تتطلب الكثير من الحزم التنظيمي اذا صح هذا التعبير. وبالرغم من النجاحات الباهرة خاصة على مستوى المكاسب السياسية, الا ان حركة التحرير الوطنية الصحراوية بميولاتها اليسارية آنئذ شأنها شأن الحركات التحررية اليسارية العربية المعاصرة غالت في نهج اجتثاثي للبنيات التقليدية و أنماط التفكير المرتبطة بها عوض الاحتواء التدريجي الذي يعيد قراءة الموروث بالتوظيف السوسيولوجي والفكري في أفق البناء المتوازن المتناغم لأساسات للدولة الوطنية الحديثة. ة
فقد الفكر السياسي الصحراوي المعاصر زمام الفعل والمبادرة بفقدان المفكر الشهيد القائد الوالي مصطفى السيد وتواري صفوة رفاقه الذين أحجموا عن إغناء المسار من مثل المرحوم احمد بابا مسكا واخرين…بعدما أصلوا للثورة الصحراوية بسياق فكري إبداعي مصاحب للمارسة السياسية, يؤطرها ويهذبها تلافيا للردات النكوصية اوالسقوط في وحل نزعات التحريف الانتهازية. لقد حقق الفكر السياسي الصحراوي من خلال التراكم النوعي لمساهمات المنظرين المذكورين وغيرهم انتقالة نوعية في نقد حداثي جريئ وغير مسبوق لبنيات المجتمع التقليدي السائدة وتصوراتها من أجل تموقع المشروع الوطني الثوري في مساره الطبيعي الحتمي كبديل تاريخي نحو استشراف بناء مجتمع بمؤسسات الدولة العصرية وعلاقاتها الوظيفية.
التجربة الوطنية في مسيرتها المريرية كلفت الكثير من التضحيات بالالام والامال, ورغم ان الانجازات كانت فريدة وتاريخية, الا ان الاخفاقات كانت مؤثرة نالت من المكاسب بفعل الانحرافات الكثيرة جراء ما يمكن ان نسميه بالقطيعة التي افرزها واقع الانفتاح الفوضوي بتعاظم التنافر مع اخلاقيات المبادئ الثورية الاصيلة التي جسدها تكامل القيم النضالية الفكرية والممارسة السياسية الوطنية النبيلة.

منذ ثلاث عقود خلت وبفعل الشروط الموضوعية المعلومة صعد نجم التيار السياسي الانتهازي الرجعي بتصورات الانفتاح المعاكس التي استدعت الانحراف باتجاه اعتماد مرجعيات هجينة مركبة للقيم الانقسامية التقليدبة لتنظيم الممارسة السياسية الجديدة بما ولد ذلك من اخفاقات واختلالات متوالية. كان العجز جليا والقصور الفكري بينا بعد الاستهلاك الكسول للرصيد الفكري الثوري التأسيسي حيث ازداد العقم في عطاءات الفكر السياسي ليشهد المشروع الوطني في حد ذاته مزيدا من مظاهر الركود تجلت من خلال خيارات مفلسة عمقت مسار الانحراف عن الثوابت.
في هذا الخضم المتناقض انحصر التوهج الفكري للثورة فضاقت هوامش التبادل والحوار لتطوير التراكمات واغنائها, وتراجعت بذلك أدوار النخب المثقفة في مقابل تسيد وسطوة الفاعلين السياسيين بتصورات ومرجعيات بديلة. لقد شكلت احداث ٨٨ وتبعاتها الفوضوية انحرافا خطيرا وغير مسبوق في المسار بفعل صراعات الرفاق على السلطة حيث تم لعب جميع الأوراق بمسلكيات انتهازية مثلت نقطة تحول كبرى في القطيعة مع الثوابت وتشكيل خط رجعي سيتنامى في قلب التوازنات الجديدة التي خلقها الواقع الانقسامي والتقوقع داخل حظيرة القيم التقليدية التمييزية بشعارات سياساوية جوفاء, انتعشت صيغ التركيب الغامضة المبهمة(حركة_ دولة) المبنية على ادعاءات باطلة في الانفتاح على قيم العدالة والديمقراطية داخل مؤسسات الدولة الوطنية!!!! وما فتئ الرفاق يلجؤون الى المضارب لتصفية حساباتهم وتقسيم الادوار حتى تتعرى الخلفيات وتتعزز النوازع الدفينة المدججة بشواغل السلطة والتسلط لتتكرس صورة المشهد الفوضوي الذي يعمق علاقات مجتمع اللادولة و تغيب فيه قيم المواطنة التي كانت أساس المشروع السياسي الفكري في عنفوانه.
في ظل الانسداد في الأفق وتفاقم الازمة المجتمعية بطغيان تناقض القيم وازدياد وتيرة التجاذبات التي كرست خطابا عنيفا قائما على لغة الإقصاء والتمييز بات من مظاهره ضعف الإحساس بالانتماء الى الوطن وآمال التعايش فيه, فهامت الغالبية على وجهها الى ارض الله الواسعة وانحصر دور النخب وتضاءل, وانساقت أخرى لتنقاد بفعل دوافع مصلحية مع الشروط الجديدة, ومن رحم ربك غاب تائها او تم تغييبه, وفي احسن الاحوال تقوقع فيما يشبه صورة من صور موت المثقف البطيئ
التي تحدث عنها المفكر الشهيد مهدي عامل.
امام هذه التحديات العظيمة تتعدى مسألة الدعوة الى التغيير مجرد التعبير عن الازمة البنيوية التي تعصف بالمشروع الوطني برمته ومالاته الى دق ناقوس الخطر في ضوء تداعيات الخيارت الاقصائية المنتهجة, لقد بات من الضروري قياسا الى المتغيرات المجتمعية تبني رؤية واضحة للتغيير السياسي بتأطير فكري يحدد الأولويات والخلفيات انطلاقا من مرجعيات مضبوطة محددة, ومن ركائز هذه الرؤية التسليم بأن التغيير يقوم على الحركية والتجديد المستمرين الذي يناهض كل أشكال الفعل التنميطي المغالي في الجمود والسكون وبذلك نرقى بهذا المفهوم الى رحابة الانفتاح التي تتجاوز حسابات التغيير السياسي البراجماتية. نحن في أمس الحاجة الى طرح أولويات التغيير في ضوء متغيرات الواقع وطفراته باعادة بناء شاملة للتصورات, بنقد التجربة ومفاهيمها المركزية التي يتأسس عليها الخطاب السياسي الراهن.., لذا لابد من طرح اسئلة “الوطنية والوطن”, “العدالة والديمقراطية”, “الحرية والاختلاف”…… وغير ذلك من المفاهيم كثير, لنؤسس لتحرير العقل على طريق استيعاب معادلات الواقع حتى لا نعيش غرباء عن حاضرنا التي تدفع قوة سياسية مستفيدة من خلاله في اتجاه سياسة تعميم التجهيل.
وختاما نجدد التأكيد كما ذكرنا ذلك في مقالات سابقة أننا نعيش مرحلة انتقالية عصيبة تستلزم الانطلاق من تصور نقدي شامل يتجاوز الاختلالات من منطلقات قيم الحرية والتداول المؤمنة بالدور المحوري الفاعل للشباب الطاقة الحية التي تؤمن الطريق الى الرقي والتصدي لكل أشكال الخمول.

2 تعليقان

  1. لذا لا بد من طرح اسئلة الوطن والوطنية،العدالة و الديمقراطية،الحرية و الاختلاف.
    اذا كانت تلك هي الاسس المتكاملة لاحداث التغيير لتجاوز واقع مهترئ و استشراف ما ينبغي ان يكون ،اليست المبادرة الصحراوية للتغيير من حيث مساءلة الا زمة القائمة و تشريح مظاهرها و كشف عوارضها ،هي الوعاء التاريخي القادر على ضياغة هذه المفاهيم و تفعيلها؟ان الجهاز المفاهيمي و الخطاب السياسي للمبادرة الصحراوية للتغيير من خلال ادبياتها انطلاقا من اول بيان الى آخر ما تمخض عنه جمعها الاول لا تخلو عناوينه السياسية ومفرداته الخطابية من حرقة تلك الاسئلة.الروية التاسيسية المتكاملة ليست ترفا فكريا داخل دائرة العالم الخاص الفردي بل ليست من هموم واهتمام المثقف العضوي بصفتها هذه ،المغالية في التعالي .

  2. كلام مردود على صاحبه! أخي الكاتب انت من أطلقت له مجموعة المبادرة الصحراوية للتغيير العنان و سلموا كل ثقتهم لك كرئيس اللجنة التحضيرية الجمع العام الأول و طعنت رفاقك جهارا نهارا يوم ٢٢ يونيو ٢٠١٨ يتراجعك المحتشم انت و المجموعة التي كان واضحا الجميع اندساسها من طرف اولياء نعمها في الرابوني.. فلا كلام لك عن التغيير بعد ال ٢٢ من يونيو