شطرنج الڭرڭرات

هَرَلْد لِسْت

لقد مضت سنوات عديدة شهدت نوعا من لعبة الشطرنج لا يُلعب بين طرفين بل ثلاثة أطراف: المغرب ، الجمهورية الصحراوية والامم المتحدة. يمثل هذه الاخيرة امينها العام ومجلس الامن وبعثة المينورسو.
تحاول المملكة المغربية احتلال الجمهورية الصحراوية وقد حصل المغرب في الفترة الاولى على بعض النتائج في ذلك لاصراره على التلاعب ليس بالصحراويين زحسب بل و بممثلي الامم المتحدة كذلك.
ولا يوجد فعلا اي اتفاق اُبرِم بصورة مباشرة بين المملكة والجمهورية الصحراوية ولا حتى المملكة و الجبهة الشعبية لتحرير الاقية الحمرا وواد الذهب البوليساريو. بل يوجد اتفاق وهو معروف ب”الاتفاق العسكري #1″ ابرم في نسختين فابرمت النسخة الاولى بين المملكة والمينورسو (كممثل للامم المتحدة وبعثتها) ولا يوجد عليها اي امضاء لاي ممثل صحراوي. اما النسخة الاخرى وهي مبرمة بين المينورسو والبوليساريو ولا يوجد علايها اي امضاء لممثل مغربي.
كما اصرت المملكة بصفة عامة طوال هذه السنوات على رفضها لاي محادثات مباشرة بينها وبين من تصفهم بـ ال”انفصاليين” وذلك رغم التشجيع المتكرر الصادر عن الامين العام للامم المتحدة باجراء محدثات ومفاوصات مباشرة بين الطرفين.
ومن ناحية اخرى وجدت القيادة الصحراوية نفسها مدعوة للاشتراك في لعبة الشطرنج تلك و وافقت عل تلك الحالة غير المتوازنة.
ولكن اسفر ذلك عن تنازلها عن حق قيام دولة للصحراويين بالرغم من وجودها على المستوى الدولي. و جدير بالذكر ان الدولة الصحراوية قد اصبحت عضواً في منظمة الوحدة الافريقية بصفتها عضو مؤسس للمنظمة القارية. كما ادى الى مطالبة قيادة البوليساريو بإجراء استفتاء لتقرير مصير الصحراويين ـــ كان ذلك طلبا قديما من الايام قبل تأسيس الدولة في بئر الحلو وغير وارد الصلاحية شكراً للاعلان عن الدولة وتأسيسها.
فاسفر ذلك عن بعض التناقضات التي لا حل لها.
1) ان المملكة المغربية غير مستعدة لتترك المناطق التي احتلتها وانما قد تحصنت ايديولوجيا ومن حيث بلاغتها في خندق بدون مخرج، وهو خندق القول عن كاملية الوطن التي لا تضرّ.
2) بناء على ذلك فتصف الدعاية المغربية الصحراويين الذين لا رغبة لهم بان يعيشوا تحت حكم الملك وفي اطار المملكة المغربية ك”انفصاليين”، وعصابات وميليشيات تحت سيطرة وتوجيه مواليهم الجزائريين وتصف الصحراويين المتظاهرين من اجل اغلاق باب الڭرڭرات ك”قطّاع طرق” و”مافيا”.
ما هي الاهداف الاستراتيجية للاعبي هذا الشطرنج؟
المغرب:
ـــــ تكملة مناطق المملكة بما يضمّ حدود مباشرة مع جمهورية موريتانية وبالتالي مع دول غرب افريقيا (مصالح اقتصادية)
ـــــ السيطرة على ثروات طبيعية (معادن وسمك).
ـــــ عرقلة قيام اي دولة صحراوية وتحالفها مع الطرف الجزائري – الذي يصفه المغرب بالعدو- والخوف من فرض طوق عسكري جزائري وفصل المملكة من اسواق مهمة لصادراتها.
الجمهورية الصحراوية:
ـــــ انجاز حقوقها على كل المنطقة التي كانت تحت سيطرة اسپانيا سابقا في الصحراء الغربية.
ـــــ اعادة اللاجئين المقيمين في المهجر الجزائري الى ديارهم الاصلية.
ـــــ بناء دولة عادية ومستقلة.
الامم المتحدة
ـــــ انجاز لبعثة مينورسو، وذلك وفق اراء اهم الدول التي تختص بشؤون افريقيا الشمالية وهي الولايات المتحدة وفرانسا واسپانيا لعلاقاتها مع شمال افريقيا ومصالحها الاقتصادية والامنية فيها.
هذا بالنسبة للاهداف الاستراتيجية. ولكن ما هي الوسائل التكتيكية للحصول على تلك الاهداف؟
الامم المتحدة:
ــــــ مراقبة الاحوال في المنطقة وارسال تقارير منتطمة الى مجلس الامن الدولي.
ــــــ تأليف تقارير غير كاملة تفضل الطرف الواحد على الثاني.
ــــــ انجاز ضغوط معينة على الطرف الصحراوي فقط بدون جعل ضغط مماثل على الطرف المغربي وذلك عن طريق التهديدات بتحرير تقارير سلبية.
الجمهورية الصحراوية:
ــــــ تطوير البنية الاساسية للطرق وصيانتها وتأمينها كما ينبغي.
ــــــ تطوير الحضور كدولة بالنسبة لادارة المناطق المحررة.
وفي حال عدم حصول الاحتمال الاول ولا الاحتمال الثاني.
ــــــ في دورها كصاحبة السلطة على مناطقها وفيها ادارة مدنية في المنطقة العازلة من القوات العسكرية من حق الدولة الصحراوية ان تمنع اي مرور من المناطق الصحراوية المحتلة الى موريتانيا.
هذا ما يحصل حاليا.
ــــــ انجاز عمليات “كوماندوس” ضد الحائط المغربي ومحاولة القاء القبض على جنود العدو المغربي.
ــــــ عرقلة العدو المغربي في المناطق المحتلة عن طريق عمليات كوماندوس مماثلة
يشكل هذا النوع خرقا واضحا لبنود الاتفاق المبرم مع بعثة المينورسو في طبيعة الحال.
ــــــ تكوين وسائل دعاية مثل اذاعات (الافضل لو كانت باللغة الدارجة والشلحة ايضا) موجهة الى القوات المغربية اضافة الى منشورات مكتوبة تحملها بالونات الى الهدف.
ــــــ القيام بعمليات مدنية ضد مناصري اطروحة الاحتلال كلبس قمصان تي ــ ـشِرط وكلها مطبوعها بشعار موحد مثل V (سبع عربي) او بالوان العلم الصحراوي جزئا او كليا فذلك لتكوين ضغط نفساني على اصحاب الاحتلال كجنود او مقيمين جدد آتيين من الشمال.
ــــــ جعل ضغط على بعثة المينورسو عن طريق اقتصار اللقاءات معها الى الاماكن المحررة فقط.
ـــــ اشتراط دخول سيارات مينورسو الى المناطق المحررة (او المخيمات) بان تحمل الواح للامم المتحدة او لوحات ترقيم صحراوية ومنع دخولها وهي تحمل لواحات ترقيم مغربية. لا يشكل هذا الشرط اي خرق للاتفاق او منع لحضور افراد مينورسو او تأدية وظائفهم فعليهم ان يغيروا الواح الترقيم فقط عند اجتيازهم للخط الفاصل… لا اكثر.
المملكة المغربية:
ــــــ منع اي اتفاقية، ولو عن طريق مينورسو.
ــــــ تحرك سياسي ضد الجمهورية الصحراوية عن طريق ازالتها من الدول الصديقة لها من ناحية، وادخال منتجات المناطق المحتلة الى اي اتفاق اقتصادي (ك”جزء من المملكة”).
ــــــ طمس الهوية الصحراوية في امناطق المحتلة عن طريق تهجير مغاربة اليها.
ــــــ زيادة الضغط على المينورسو (انظر ازالة البعثة الدولية من الاحتكاك مع السكان الصحراويين المقيمين غرب الجدار المغربي، انظر ايضا الى اكراه البعثة لاستخدام لوحات ارقام مغربية على سياراتها)
ــــــ زيادة الحملات الحربية النفسانية ضد الجمهورية عن طريق رفضها المستمر كشريك في المحادثات أو عملية التفاوض.
ــــــ تقديم نفسها كحليفة موثوق للغرب ضد خطر الاسلاميين المتشددين.
ــــــ زيادة وتطوير المواقع العسكرية في المناطق المحتلة.
فيظهر علنا وفورا انه ليس لدي الجمهورية الصحراوية العديد من وسائل العمل. حيث لا يوجد للجمهورية مورد دخل مالي وانما هي مربوطة بالاغاثة والاعانات الدولية (بالنسبة لللاجئين بصفة عامة) أو اعانة جزائرية (من حيث قواتها المسلحة).
وان حقول الغاز المفترض وجودها في منطقة تيفاريتي المجاورة لمنطقة تيندوف الجزائرية، قد لا تأحذها احدى الشركات الكبرى في عين الاعتبار خوفا من ضرر علاقاتها مع المملكة المغربية. اضافة الى ذالك لا توجد خطوط انابيب يمكنها نقل الغاز من الجنوب الغربي الجزائري الى مواني الشمال لتصديره.
فيبقى شيء وحيد وهو قطع الصادرات المغربية الموجهة الى الجنوب عبر المنطقة المحظورة السلاح.
تستخدم المملكة المغرب الحجة ان تلك المنطقة ارض غير تابعة لاحد. ويعتبر المغرب كل شخص يوجد هنالك وهو يحمل العلم الصحراوي تلقائيا فردا ينتسب للپوليساريو ويذكر ان المغرب لا يأخذ وجود الجمهورية الصحراوية بعين الاعتباره.
ولكن الاتفاق العسكري رقم 1 لا يذكر اي شيء عن تبعية الشريط العازل الفاصل بين القوات لاي دولة (كما لا يعترف بتبعية الاراضي التي تقع شمال هذا الخط للمغرب). ولا توجد فيه اي مادة عن حقوق وواجبات المدنيين في ذلك الشريط. ان الجمهورية الصحراوية لا تستحق اساسا ان تمركز فيه قوات عسكرية ــــــ كما لا يوجد شيء عن ادخال عناصر شرطة (وحتى مسلحين كما هو العادة فى كل شرطة في العالم تقريبا) وعناصر الادارة الجمركية وادارات اخرى.
انه في الفترة بين تقديم الامين العام للامم المتحدة تقريره لمجلس الامن الدولي وطلبه بتمديد صلاحيات البعثة بسنة اضافية (وهي سنة تساعد المملكة المغربية من ناحية تقوية سلطتها على المناطق المحتلة) ولا شك في تلبية هذا الطلب المنتظرة من ناحية، ومن ناحية اخرى تصويت مجلس الامن نهاية شهر اكتوبر الجاري… واعتصام خمسون صحراوي على الطرف الجنوبي للحائط الفاصل و منعهم لحركة المررور كليا.
وكحركة تالية في هذا الشطرنج تطلب الامم المتحدة انهاء اعاقة شريان المرور البري بحجة غير القابلة للفهم ان اعاقة طرق دولية لمرور الاشخاص والبضائع غير مقبولة.
فتلك الحجة لا تصدق لسبب بسيط وهو ان الامم المتحدة لا تستخدم نفس اللهجة مع المملكة المغربية وتطالبها بفتح معابر حدودها البرية مع جارها الجزائري وهي مغلقة منذ سنوات عديدة.
يضاف الى ذلك ان تطلب من المغرب السماح للاشخاص الحاملين الجنسية الصحراوية ان يسافروا بوسائل نقلهم عبر المملكة قاصدين المدن الاسپانية في الشمال، يعني سپتة ومليلية…
وحسب الحجة الصحراوية فان معبر الڭرڭرات غير شرعي لانه انشاته سلطات الاحتلال المغربي.
ومن ناحية اخرى لا شك ان في امكان المغرب ان ينشئ معبرا حدوديا ـــــ كما لا يفرض ذلك على اي واجب للجمهورية الصحراوية بان ترخص اي مرور بذلك الشريط الحدودي الذي تسيطر ـــــــ مدنيا ــــــ عليه. او بألّا تعلن عن غير الشرعية لذلك المعبر.
وفي اطار حركاتها على لوحة الشطرنج عززت المينورسو عدد المراقبين في المعبر الحدودي، فتحاول باقناع المتظاهرين الصحراويين ان يفتحوا شريان المرور. ولكنه من وظائف المراقبين الدوليين ايضا ان يمنعوا اي تماس بين المتظاهرين والقوات المغربية التي لا يقف المغرب على تعزيزها منذ بضعة ايام .
فان تلك حركة المغربية هي ايضا خرق للاتفاق العسكري رقم 1.
من ناحية السلطات المغربية فقد وصف وزير خارجيتها الصحراويين ك”عصابات” و”قطاع طرق”.
اضافة الى ذلك فانشأ الجيش المغربي مركز مراقبة لجنوده جنوبا من محطة العبور الحدودي، ويعني ذلك على اراضي تحت ‘سيادة الجمهورية الصحراوية ــــــ دون اي رد من المينورسو. خرق آخر للاتفاق العسكري رقم 1…
ان الاجرآت التكتيكية للجمهورية الصحراوية ـــــ يعني استخدام اشخاص مدنيين لصد شريان المرور بين المغرب وموريتانيا في اجتيازه باراضي الجمهورية ــــــ قد يمكن الجمهورية من كسر الطريق المسدود الذي اتى ذكره اعلاه، والاشتراك في لعبة الشطرنج ليس كپوليساريو وانما كدولة تطلب دورها في الحماية لمواطنيها على جميع الاراضى التي تحت سيادتها . وهنا تضاف السلطة الى السيادة، وحتى في الشريط الحدودي في الڭرڭرات، وذلك عن طريق شرطتها ودركها، وشرطتها البحرية (في منطقة الكويرة، وربما تلك ستكون الحركة المقبلة)، بكلمة واحدة : تأدية ادارتها المدنية.
وبالفعل انه وزير الخارجية الصحراوي، محمد سالم السالك، رد على وزير الخارجية المغربي ، اضافة الى ذالك توجهت الحكومة الصحراوية الى الامين العام ومجلس الامن بطلب ايقاف الاجرآت غير الشرعية لسلطات الاحتلال المغربية.
فتحسنت الاوضاع السياسية للصحراويين. ويشير اتجاه السير الجديد الى ان تترك الجمهورية طريقها المسدود السابق وان تحاور الامم المتحدة كدولة ولا كمنظمة كفاحية سياسية.
كيف يتصرف الامين العام ومجلس الامن رداً على ذالك؟
ان سيناريو التحديدات المغربية لا تؤدي الى انجازات. اذا ما توغلت القوات المغربية العسكرية عبر خطوط المدنيين الصحراويين لقد يشكل هذا سبب حرب للصحراويين وبالتالي سيتصدوا لوقف الطريق الذي استخدمته المملكة المغربية لتصدير صادراتها لسنوات طويلة. ولا يكون للمغرب اي امكان غير انشاء مواصلات عن طريق البحر الى نواذيبو في الشمال الموريتاني. ويصعب ذلك كثيرا على مئات الشاحنات المغربية التي تتجه الى الجنوب يوميا.
وبالاضافة الى ذلك سيصبح المغرب المسبب الرئيس والمسؤول عن فشل بعثة مينورسو ونهايتها على الفور. ويلحق ذلك ضررا بعيد المدى بسمعة المملكة المغربية في عيون البلدان الاخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.