عنقاء بوجدور

في عز الثورة الجزائرية وبالضبط سنة 1957 كانت إيقونة الجزائر جميلة بوحيرد تواجه حشدا من الجنود الفرنسيين المدججين بالسلاح ,وبعد قتال مستميت سقطت الجوهرة بعد أن أصابها طلق ناري ,ويومها إحتفى الفرنسيون الغزاة بأسر فتاة طالما أذلت جحافلهم.
وفي مساء ذلك اليوم تفنن عتاة الجلادين الفرنسيين في تعذيب المجاهدة الجريحة لمدة ثلاثة أيام ,وبعد أن يئسوا من إعترافها حكموا عليها بالاعدام وهي تردد تحيا الجزائر.
وتدور عجلة التاريخ لتولد جميلة أخرى في الصحراء الغربية نذرت نفسها منذ البداية من أجل أن يحي الشعب الصحراوي.
سلطانة خيا.. يرغمك تحديها أن تقف خاشعا أمام شجاعة إمرأة تواجه جحافل الظلام دون أن تلين,تجاهر برفضها للاحتلال دون أن تبالي وتحمل العلم الوطني في عز الظهيرة دون أن يرمش لها جفن ,ولطالما شهدت أزقة مدينة بوجدور فصولا من شجاعة هذه المرأة التي لا تخشى في قناعاتها جبروت قوات الاحتلال.
في التاسع ماي سنة 2007 قرر الطلبة الصحراويون الدارسون بالموقع الجامعي بمراكش تخليد الذكرى الرابعة والثلاثين لتأسيس الجبهة الشعبية ,وأثناء هذا الاحتفال حدثت مواجهات عنيفة بين الطلبة الصحراويين وقوات القمع المغربية, وبشكل مقصود تم إستهداف سلطانة خيا التي فقدت عينها خلال هذه المظاهرة,لكن ذلك لم يثنيها عن مواصلة الرفض والمواجهة وسجلت مع رفيقاتها مواقف سيحفظها التاريخ للمرأة الصحراوية.
ومع إستئناف الكفاح المسلح عادت جميلة بوجدورإلى ميادين المواجهة وبشكل أكثر جرأة وأقوى تأثيرا,وعانت رفقة عائلتها من التضييق والحصار والقمع .
كان الجلادون يحاربون فيها صلابة الصحراويين ويرون فيها بوادر زوال وجودهم ويخشون أن تؤثر روحها التواقة للنصر في سكان المدينة التي ترزح تحت نير الاحتلال ,ولعلهم أيضا كانوا يريدون كسر شجاعتها كي يخفف ذلك من إحساسهم بالذل بفعل الضغط الكبير الذي تسببه هجمات جيش التحرير الشعبي الصحراوي.
في الماضي كانت سلطانة ورفيقاتها يسحلن في الشوارع ونحن نتألم ,وتستفز نخوتنا وكنا نجتر مرارة الكرامة المهدورة ,لكن العزاء الآن هو أنه كلما تعرض خفافيش الغدرلأي سلطانة صحراوية فإنها ستجد راحتها في مساء نفس اليوم عندما يصدر البلاغ العسكري,مؤكدا أن مقاتلي جيش التحري الشعبي الصحراوي يدكون جحور قوات العدو,وعندها فقط ستبتسم الصحراويات وتزغردن وسيدرك الجميع أن صيانة الكرامة الآن أصبحت بيد رجال لا يرضون الهوان,ساعتها ستحلق أنثى طائر الفينيق في سماء مدينة بوجدور لتنشر قيم التضحية والمقاومة,ولسان حالها يردد:
يا راكبين عتاقَ الخيلِ ضامرةً كأنها في مجال السبقِ عقبانُ
وحاملين سيوفَ الهندِ مرهقةُ كأنها في ظلام النقع نيرانُ
وراتعين وراء البحر في دعةٍ لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ
لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ…
حمدي ميارة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.