موريتانيا……مصالح ماخلف الحياد؟

لم يكن خافيًا عن الملك المغربي آنذاك الحسن الثاني مطامع الجارة الجنوبية، في إقليم الصحراء الغربية و تصوراتها للوضع المستقبلي في المنطقة، ماجعله يُسيل لعاب نظام ولد داداه و التنازل له عن اقليم واد الذهب، في مقابل جره الي أتون حرب لم يدرك حجم خسائرها في ذلك الوقت، الخسائر التي اوصلت النخبة الحاكمة في نواكشوط الي نتيجة ان البوليزاريو ليست لقمة صائغة، و الحرب التي أرادوا لها أن تكون سريعة أصبحت قذائفها تتساقط على رؤسهم في العاصمة، ماجعل من الضرورة القسوة التخلص من شخص ولد داداه، دون تغيرهم لمفهوم الصراع او التنازل عن الأطماع نفسها التي خاضوا من أجلها الحرب، و توجيه البوصلة الي خيارات اخرى تكون أقل كلفة، من أهمها اجاد وضعية تضمن بقاء جميع المصالح الموريتانية محفوظة، وذلك غير ممكن إلا في الابقاء على الصراع قائم دون سيطرة أي طرف على الاقليم سيطرة سيادية، او ما اصبح يسمى “الحياد الايجابي”. وهو ما تحقق الي اليوم، فلا دولة ذات سيادة تنافسهم على مزايا شبه جزيرة لگويرة، ولا رسوم او مدفوعات على آلاف الاطنان من الحديد العابرة لحدود الصحراء الغربية عكس المتعارف عليه في باقي دول العالم، لا دولة للبيظان على حدود الشمال و الاهم لا تماس مباشر بين الجيش المغربي و الموريتاني.
تبدو موريتانيا أكثر ارتياحًا من غيرها باستمرار الوضع الراهن للصراع، وليس ذلك من فراغ بل نتاجًا إلي المزايا التي ترتبت على الاتفاق الموقع بين أطراف النزاع 1991، التي حفظت كل مصالحها ولو ظرفيًا، ما جعلها تلعب دورًا مهما في استمراره بشكل غامض بالنسبة للعامة معلوم لكل مُطلع على مكاسب الدولة من وراء الإتفاق، فنواكشوط تعترف بالجمهورية الصحراوية دون وجود للأخيرة سفارة فيها، ولا تعترف بسيادة المغرب على الاقليم و في نفس الوقت تفتح معه معبر يمر من الاقليم نفسه! لكن موقعها الجغرافي و اهميتها سمح لها بالمحافظة على مسافة من طرفي على نقيض دون إثارة غضب اي منهم.
_كيف يشكل حل النزاع خطر على الدولة الموريتانية؟
_من أين تستمد موريتانيا قوتها و اهميتها في الصراع؟
في الاجابة على السؤال الاول لابد من فهم تصورات النظام الحاكم في نواكشوط لمخاطر قيام دولة ذات سيادة كاملة على على الاقليم سواءً كانت صحراوية او تحت حكم مغربي، و منها ماهو مخاطر مشترك من الطرفين او منفردة حسب الطرف المسيطر.
قيام دولة صحراوية مستقلة!
من الأمور التي لا يرغب حكام قصر لگصر في رؤيتها هي قيام دولة اخرى للبيظان على حدودهم الشمالية، مايشكل تهديد كبير على التركيبة السكانية للمجتمع الموريتاني، الذي يشكل البيظان فيه القاعدة الشعبية الاهم للنظام الحاكم، و عماد سيطرته على مفاصل الدولة، في مواجهة المكونات الاساسية الاخرى، التي تزداد بشكلٍ مخيف مع تراجع نسبة البيض، فأن إحتمالية حدوث هجرات جماعية الي الدولة الوليدة يشكل كابوسًا ، خصوصًا من القبايل المنحدرة من أصول صحراوية، و الساكنة بشكل أساسي في الشمال الذي يمثل اهم الموارد الاقتصادية للبلد، ماجعل الجارة الجنوبية ترفض قيام دولة صحراوية تكون موطنًا اخر للبيظان.
في المخاطر المشتركة سواءً كان الاقليم تحت سيادة كاملة للصحراويين ام المغرب، سوف تطر الدولة الموريتانية الي تقاسم شبه جزيرة لگويرة مع دولة اخرى كاملة السيادة لا شك انها تطمح للاستفادة من ميزات شبه الجزيرة و موقعها المهم وهو مايهدد العاصمة الاقتصادية للاخيرة، كما سوف تصبح مجبرة على دفع رسوم آلاف الاطنان من الحديد العابرة من حدود الصحراء في عرف متبع في جميع انحاء ألعالم، وما يشكله ذلك من نقص في العائدات المالية من هذا المعدن الذي تعول عليه الخزينة العمومية في بلد يعاني الفقر فكيف سيكون مع هذا النقص، دون ان ننسى مخاطر الامن القومي، كون اهم ثروة سوف تصبح تمر من تراب دولة ثانية مايسمح لها بالابتزاز السياسي.
اما في الطرف الاخر(العدو) فإن ذلك سيحتم إضافةً الي ماذكر أعلاه، وجود خطوط تماس مباشرةً بين الجيش المغربي و الموريتاني، وهو ما لا تفوت القيادة الموريتانية فرصة للتذكير برفضه و اعتباره ضد الامن القومي لوطنهم، و مايخفيه ذلك من خوفهم من أطماع المغرب التوسعية.
كلها امور جعلت من تصور حل للنزاع امر غير مرغوب فيه لدى صناع القرار السياسي في نواكشوط، بل محاولة الرمي في اتجاه عدم حله، قبل الحصول على تنازلات و ضمانات من احد الطرفين بعدم المساس من مكاسبهم، و تبديد المخاوف في المواضيع المذكورة و التي تثير حساسية الموريتانيين.
اين تكمن قوة موريتانيا و ماهي الاوراق التي تعول عليها في تحقيق اهدافها في الصراع؟
يدرك الجيران الجنوبيين ان جيشهم ليس بهذه القوة مقارنة بالفاعلين الآخرين في الصراع بل يكادوا ان يكونوا غير ذي قيمة من الناحية العسكرية، لكنهم يمتلكون اهم موقع جغرافي في النزاع و يدركون ان اي حسم لأي معركة في الاقليم، لابد ان يكون عبر أراضيهم، وهو أيضًا مايعرفه كل من ساكنة الرباط و الرابوني، ف 97% من خط الحرب المشتعلة تربطه حدود مشتركة مع موريتانيا، مايجعلها قادرة على تمييل كفة المعارك لصالح اي طرف من الطرفين، فالعدو يدرك ان غضب الاولى يجعل من سيطرته على جدار بهذا الطول شبه مستحيل، وهو الذي لا يبعد عن الحدود الموريتانية إلا كيلومترات الامر الذي يسهل على مقاتلين الجيش التسلل و العودة في مساحات شاسعة من الاراضي و التضاريس الوعرة، ما يحول سلاح الجو -عماد العدو في اي حرب- بلا فائدة، كما تمكن الصحراويين من خطوط إمداد لا محدودة.
هو الامر الذي تدركه أيضا البوليزاريو فحرمان الجبهة من الاراضي الموريتانية يُصعب عليها خوض اي معارك، بل يقضي على أكثر من نصف الاراضي المحررة ويقطع كل إمدادات النواحي الجنوبية التي تقع خلف حدود، و حصر الجيش الوطني في جغرافية ضيقة يسهل للعدو التعامل فيها و حسم المعركة.
هي معطيات لا تخفى على احد ماجعل القصر الرئاسي في نواكشوط محج الوفود الرسمية من كل الاطراف المهتمة بحل القضية الوطنية، الأمر الذي يفسر كل هذه الأهمية و تجنب الجميع غضب النظام الموريتاني.
بقلم : محمد عالي مولود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.