رحيل نحو الخلود

في مساء بارد من خريف سنة 1985 كانت دفعة شباب 84 قد اجتازت للتو كل مراحل التدريب في مدرسة الشهيد الولي العسكرية التي كانت في تلك الايام تعج بالمقاتلين الشباب و ميدانا لصنع الرجال.
كنا جميعا نستعد للالتحاق بجبهات القتال،ثلاث مائة شاب ويزيدون كانوا جميعا قد بلغوا مستويات تؤهلهم لخوض المعارك بعد اكثر من عام من التدريب المتواصل.
كان الجميع يتوقعون أن يتم تشكيل فيلق قتالي من هذه الدفعة،قياسا الى نوع التدريبات وطول مدة التحضير،لكن القيادة العسكرية قررت في النهاية توزيع دفعتنا لدعم كل نواحي جيش التحرير الشعبي الصحراوي.
صباح 13 نوفمبر 1985 كنا نستعد لبدء برنامج التدريب اليومي و فجاة دوت صافرة الجمع العام وعلى الفور انتظمت الدفعة في ساحة العلم.
كانت هناك شاحنة ماجيريس تقف قرب الساحة وبدون مقدمات قرأ مدير التدريب لائحة تضم أسماء ثلاثين شابا سيكونون هم أول من يغادر نحو جبهات القتال،وشاءت الاقدار أن اكون ضمن هذه المجموعة.
وعلى الفور امتطينا ظهر الشاحنة وانطلقت بنا مباشرة نحو الغرب دون أن نعلم وجهتها،وبدت ملامح سائقها المتجهم تذكرنا ان أيام التدريب قد إنتهت، وستكون تلك الوجهة ابتداءا من ذلك اليوم هي قدرنا لسنوات طويلة بعد ذلك.
ومع زوال نفس اليوم توقفت بنا الشاحنة عند موقع تمركز قيادة الناحية الثانية وعلى بعد امتار من ذلك الموقع تقف بعنفوان ناقلة BMP1, وبعد أيام قليلة أصدر قائد الفيلق أوامره بتوزيع المجموعة على الوحدات.
كانت هذه هي اول مرة ارى فيها عبد الله لحبيب ،وقد كان وقتها رجلا في الثلاثين من عمره،ذو قامة فارعة و وجه صارم، وفي نفس هذا اليوم أيضا كنا قد أصبحنا جزءا من الفيلق الرابع الشهير.
بدات علاقة الشهيد عبد الله لحبيب بالفيلق الرابع منذ شهر مارس 1983 و اثناء كل مراحل التدريب التي خضع لها الفيلق الرابع في مدرشة الشهيد هداد تولى الشهيد عبد الله لحبيب مهمة تدريب الفيلق على سلاح المدرعات،اضافة الى الشهيد سيدي عثمان احمد لبراهيم ،وتشاء الاقدار ان يتولى الشهيدان مسؤولية قيادة ذلك الفيلق في ساحات المعارك بعد أن اشرفا على تدريبه وتكوينه.
كان الفيلق الرابع قبل التحاقنا به قد تمكن من اختراق الجدار المغربي يوم ازمول النيران ثم اعاد الكرة في حوزة ولعكد والشيظمية،وطبعا كان اسم فيلق الصاعقة أو فيلق الشباب قد بدأ يطرق الأسماع وبشدة.
بعد معركة ازمول النيران مباشرة وقع الاختيار على عبد الله لحبيب القائد الشاب والخبير في سلاح المدرعات ليقود الفيلق الرابع ،ولم تكن قيادة ذلك الفيلق الاستثنائي بالأمر السهل،وستستمر تلك العلاقة لسنوات بعد ذلك.
ومنذ ذلك اليوم الى غاية صيف سنة 1987 بقي عبد الله لحبيب البلال على رأس الفيلق الرابع قائدا ورفيقا وموجها،وساهمت قيادته ورزانته في تحقيق انتصارات باهرة في ام لكطة واسويحات واذويهب ولحريشة والعايديات.
وخلال كل تلك المعارك الضارية ظل ولد البلال على رأس فيلق الشباب،يصدر امر الاقتحام ويقاتل بين رفاقه،
ولا زال رفاقه يتذكرون حتى الآن يوم معركة اسويحات، عندما توغلت ناقلة تابعة للكتيبة الاولى في أعماق المعركة وهي تطارد جنود العدو ،واثناء تلك المطاردة تعطلت الناقلة فجأة،وكان أمر الانسحاب قد وصل لقائد الفيلق.وفي مشهد بطولي رفض عبد الله لحبيب،رغم نداءات جهاز اللاسلكي المتواصلة،رفض أن ينسحب الفيلق الرابع قبل أن يتم انقاذ تلك الناقلة وطاقمها، رغم انها كانت قد اصبحت محاصرة ووحيدة في مواجهة نجدات العدو وطائرات الهيليكوبتر.
أصر القائد الصارم على ان يعود الفيلق الرابع باكمله لوضعية القتال، وأصدر امرا مباشرا لسائقه المتمرس على أن يقتحم الناقلة المعطوبة وأن يجلب طاقمها احياءا أو امواتا و مهما كانت النتائج،وبعد ان تم انقاذ المجموعة اصدر قائد الفيلق أمر الانسحاب.
بقي عبد الله لحبيب قائدا للفيلق الرابع حنى صيف سنة 1987,لكنه عاد مرة اخرى منتصف سنة 1991 ليقود رفاقه بعد أن اصبح فيلق الشباب يحمل اسم الفيلق الخامس عشر ويتبع للناحية السابعة،واستمر على رأس الفيلق حتى وقف اطلاق النار.
وخلال تلك الفترة تم انتخابه في المؤتمر الثامن للجبهة ضمن اعضاء الامانة الوطنية،وعلى حد علمي كان فيلق الشباب هو الفيلق الوحيد الذي يقوده عضو في القيادة العليا لجبهة البوليساريو.
كان رحمه الله صارم جدا ومستقيم الى حد بعيد،ولا زال مقاتلوا الفيلق الرابع الى حد الأن يحتفظون بذكريات مجيدة جمعتهم مع عبد الله لحبيب القائد والرفيق والانسان.
رحم الله رفيقا نذر نفسه لخدمة شعبه ومقاتلا قاد رفاقه الى مواطن المجد وقائدا يدرك معنى قيادة الرجال نحو النصر.
ورغم كل المعارك واقتحام الرصاص،ورغم القذائف وهدير ناقلات BMP التي روضها الرجل طويلا،يغادرنا في صمت وهدوء،كعادته دائما،رفيقا نرجو الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته.
حمدي ميارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.