بيغاسوس”…المغرب في قفص الاتهام!

كشفت وسائل إعلام دولية وازنة عن فضيحة إستخدام برنامج “بيغاسوس” من قبل أجهزة مخابرات تابعة لحكومات عديدة، و كان أكثر تلك الدول إستخداما للبرنامج بعد المكسيك دولة الإحتلال المغربي، فما علاقة الأمر بالتغييرات الدراماتيكية التي شهدها ولايزال الملف الصحراوي مؤخرا؟.
شكل التحقيق الإستقصائي الذي حمل عنوان “مشروع بيغاسوس”، نسبة إلى البرنامج الذي تنتجه شركة “أن اس أو” الاسرائيلية، شكل صدمة عالمية، وهو التحقيق الذي أشرفت عليه منظمة “العفو الدولية” ومؤسسة “فور بيدن ستوري”، والذي يعد الأول من نوعه، إذ يسبر التحقيق أغوار عوالم الجوسسة، التي يقوم بها برنامج التنصت الإسرائيلي “بيغاسوس”، لصالح الدول المشغلة (الإحتلال المغربي وغيره)، والطرف المنتج ( الكيان الاسرائيلي)، فيكشف النزر اليسير من عالم مخفي، مميطا اللثام عن جزء بسيط من الدهاليز التي أريد لها أن تبقى طئ السرية والكتام، ونشرت التحقيق تحالف مشكل من 17 وسيلة إعلام دولية مرموقة، منها، ال”واشنطن بوسط” الأمريكية و”الغارديان” البريطانية، وكذا “لوموند” الفرنسية، حيث أثبت التحقيق الذي ينشر وتتكشف معطياته تباعا أن البرنامج التجسسي أستهدف 50 بلدا و30 ألف رقم هاتف عبر العالم، وتورطت فيه دول من بينها الهند والمكسيك والإمارات والسعودية…، وكان لدولة الإحتلال المغربي نصيبا وافرا منه، حيث أستخدمت أجهزة المخابرات المغربية على اختلافها البرنامج الإسرائيلي للتجسس (بيغاسوس)، للتنصت على أهداف محلية وإقليمية ودولية عدة.
1- “بيغاسوس” وبوابته المغربية…
حسب تحقيق “مشروع بيغاسوس”، فقد تنصتت المخابرات المغربية على الألاف من أرقام الهواتف لأشخاص من أوروبا والجزائر وجنوب أفريقيا والصحراء الغربية وغيرها…، ويعتقد بوجود موريتانيا ضمن دائرة الإستهداف، وشمل الأمر حتى الدول الحليفة للنظام المغربي كفرنسا.
أ- محليا…
عملت المخابرات المغربية بحسب التحقيق على مراقبة نشطاء ومعارضين وصحفيين محليين، منهم الصحفيان الراضي والريسوني، ولكن الأغرب من ذلك هو تجسس المخابرات المغربية على الملك المغربي وأسرته، وفي مقدمتهم ولي عهده وزوجته السابقة وإبن عمه، وكذا مقربين.
ب – إقليميا…
على صعيد الصحراء الغربية، تورطت المخابرات المغربية في التجسس على كلود مونجان زوجة الناشط الصحراوي المعتقل النعمة الأسفاري، ويرجح كذلك أن المخزن تنصت على دبلوماسيين صحراويين عاملين بأوروبا وإفريقيا، إضافة لإمكانية أن يكون نشطاء الأرض المحتلة ضمن دائرة المراقبة، موريتانيا بدورها يرجح مراقبون أن تكون ضمن الضحايا، وفي بلاد الشهداء، تابعت المخابرات المغربية وتنصتت على ستة آلاف رقم من الجزائر، بينهم عسكريين ورجال أعمال وسياسيين ودبوماسيين…، أبرزهم قائد الأركان السابق القائد صالح والحالي السعيد شنقريحة وأشقاء بوتفليقة وسفراء الجزائر في باريس وابوظبي وموريتانيا….وغيرهم، والملحق العسكري في باريس، ورئس الحكومة الأسبق نورالدين بدوي، ووزير الخارجية الأسبق عبدالقادر مساهل والحالي رمطان لعمامرة ورجل الأعمال على حداد، وتأتي في مقدمة دوافع وأسباب عمليات التجسس المغربية الضخمة على الجزائر، الرغبة في سبر مواقف النخبة الحاكمة في الجزائر ومعرفة تواجهاتها حول ملف الصحراء الغربية، إضافة لجمع المعلومات والمعطيات عن الحياة السياسية والأوضاع الأمنية بغرض إختراق الجبهة الداخلية للبلاد، في محاولة بائسة لإذكاء النعرات العنصرية والجهوية، رغبة في إسقاط الجزائر في مستنقع العنف والتشرذم.
ج- دوليا…
فقد نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية الذائعة السيط “أن هاتف الرئيس الفرنسي كان من بين الأهداف التي أختارها جهاز أمني مغربي ليكون تحت المراقبة”، إضافة لوزيره الأول السابق وأربعة عشر من وزراء الحكومة الفرنسية، وهو ما يشكل سابقة، فرغم التأييد الفرنسي للسياسات المغربية في المنطقة، بإعتبار المخزن الوكيل الأهم لباريس في إفريقيا، إلا أنه يرجح أن يكون التجسس المغربي على فرنسا راجع لأسباب عدة، منها، خشية الإحتلال المغربي من عدم مجاراة وتعاون باريس معه في تثبيت واقع الإحتلال في الصحراء الغربية بشكل حاسم وكامل كما تريده الرباط، بعد تغريدة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حيث “تحفظت باريس على قرار ترامب، وطالبت بإحياء المفاوضات بين البوليساريو والمغرب”، ويعتقد أيضا أن المغرب سعى للحصول على معطيات تفيده في التغلغل داخل القارة السمراء التي تعتبرها فرنسا منطقة نفوذ خالصة لها، وقد يكون أيضا للأمر علاقة مباشرة برغبة الرباط في إختراق الجماعات المتشددة ومافيا الجريمة المنظمة بمنطقة الساحل، وتوجيهها لخدمة الأجندات المغربية، وذلك عبر قرصنة المعطيات الفرنسية الحساسة المتعلقة بالمنطقة، أين تخوض فرنسا حروبا لتثبيت نفوذها، تحت يافطة “مكافحة الارهاب”.
2- المغرب تاريخ حافل بالغدر…
بالتأكيد، أن التجسس المغربي الأخير ليس بالأمر الغريب، فهو ديدن نظام إستبدادي يخشى معارضيه في الداخل، وهو من مألوف العمل الإستخباراتي الخارجي لدولة المخزن التوسعية الإستدمارية، التي تنفذ أجندات القوى الأجنبية، و ترفض حتى الأن تثبيت حدودها، فاتحة الشهية لأطماعها التوسعية في الأراضي الواقعة خارج نطاقها الجغرافي المعترف به دوليا، في كل من الصحراء الغربية وموريتانيا والجزائر ومالي، فقد كان من بين أبرز عمليات التجسس المغربية الغادرة، التبليغ عن خمسة من قيادة الثورة الجزائرية أثناء سفرهم من الرباط إلى تونس 1956، وهو ما مكن فرنسا من القبض عليهم، وكذا السماح للموساد بالتجسس على أشغال القمة العربية بالرباط 1965، مما ساهم في نكسة 1967.
3 الرد المغربي المرتبك…
أسوة بالسعودية والإمارات، أختارت المغرب أسلوب النفي الأجوف والمرتبك، للرد على الفضيحة المدوية التي كشفها التحقيق، الذي حمل معلومات وبيانات موثقة، إذ تحاول دولة التوسع والجوسسة عبر دبلوماسيتها المتهورة ودعايتها الكاذبة لملمة تبعات الفضيحة الجديدة، ساعية للخروج بأقل الأضرار الأخلاقية والدبلوماسية والأمنية والقضائية…، خاصة وأن المخزن المغربي لم يخرج بعد من أزماته الدبلوماسية المتلاحقة مع كل من جنوب إفريقيا وألمانيا وإسبانيا، والإتحادين الإفريقي والأوروبي، وأزمته الدبلوماسية الحالية مع الجزائر المتفاعلة إلى اللحظة، بعد محاولة مندوب المخزن في الأمم المتحدة، النفخ في النعرات الجهوية والعنصرية في البلاد، عبر بلاغ وزعه على دول عدم الإنحياز، ولم تقف الدولة المارقة عند حد النفي المعهود، الغير مسنود بوقائع، بل تجاوزته عبر رفع دعوى قضائية لدى المحكمة الجنائية بباريس ضد “منظمة العفو الدولية” ومؤسسة “فور بيدن ستوري”.
4- الفخ الإسرائيلي…
ورغم ترجيح أن يسعى الكيان الصهيوني لتشديد شروط تصدير وبيع برامجه التجسسية، وقد شكلت الحكومة الصهيونية لجنة خاصة بمشاركة الموساد، لدراسة التبعات السياسية والقضائية والأمنية للفضيحة، إلا أن الكيان كان الرابح الأكبر، إذ:
– أستخدم الكيان الصهيوني “بيغاسوس”، للحصول على مقايضات سياسية مع دول عربية، للتنازل عن قضية فلسطين، وتكثيف التعاون بينه وبين تلك البلدان، ومنها السعودية والإمارات والبحرين والمغرب وغيرها…
– يحتفظ الطرف المنتج ( الكيان الاسرائيلي) لبيغاسوس بالنسخ الأصلية للمعطيات والبيانات والمعلومات، وبالتالي تمكن الكيات من تحويل الدول المشغلة لمجرد قواعد أمنية متقدمة له وأدوات تجسسية تعمل لصالحه دون مقابل، بل حصل الكيان على أموالا طائلة نظير إقتناء تلك الحكومات لبرنامج التنصت الباهض الثمن.
5- التبعات…
للفضيحة تبعات سياسية وأمنية وقانونية ضخمة على الإحتلال المغربي، وقد تدفعه لإرتكاب مزيد من الحماقات، ولمزيد من السقوط والإنحدار في المستنقع الصهيوني الإماراتي طلبا للحماية، وهذه أبرز التبعات:
– بوادر أزمة دبلوماسية بين الرباط وباريس، حيث وصفت الرئاسة الفرنسية فضيحة التجسس ب”الأمر الخطير”، وفتحت محكمة باريس تحقيقا جنائيا في الموضوع، وأجتمع ماكرون بهيئة الدفاع والأمن لدراسة القضية، وإن كانت بعض النخب الفرنسية تحاول التغطية على هذا الإختراق المغربي، لغايات معلومة، فإن للأمر تأثيرات بالغة على عوامل الثقة بين البلدين.
– تأزم العلاقات الثنائية بين الجزائر والمغرب، وقد تصل لقطع العلاقات الدبلوماسية، خاصة مع عدم تقديم المغرب للتفسيرات اللازمة حول تصريحات “هلال” بالأمم المتحدة، مع إستبعاد أي مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين على الأقل في المنظور القريب.
– تأكد الأطراف الحليفة للشعب الصحراوي من أنها مستهدفة، من تحالف مغربي صهيوني إماراتي، وهو ما سيدفعها لا محالة لمزيد من السند الدبلوماسي والإعلامي لكفاح شعبنا وتكثيف دعمها النوعي والكمي للجيش الصحراوي.
– إشتداد الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة في الرباط، للسيطرة على مقاليد الحكم والإمتيازات الإقتصادية، حيث شكلت الفضيحة دليلا واضحا على شراشة المنافسة الموجودة حول السلطة والنفوذ والثروة في المملكة، كما يظهر الأمر مدى قوة مدير المخابرات المغربية عبداللطيف الحموشي، الذي يعتبر نفسه فوق سلطة الملك، ما مكنه من مراقبته.
– لتقليم أظافره، قد يلجى القصر لإعادة تشكيل الجهاز الأمني المغربي برمته وتحجيم نفوذ رجله القوي عبداللطيف الحموشي، بل قد تتمكن الدوائر الضيقة للملك من إقالة الحموشي، أو حتى إعتقاله.
– إنعدام الثقة بين بين الاحتلال المغربي وحلفائه.
– إزدياد الملاحقات القضائية ضد المخزن المغربي، مما يساهم في تشويه سمعة الدولة ذات الأجندات التوسعية التأمرية، ويستنزف جهودها الدبلوماسية وإمكانياتها المالية.
6- إنكشاف عوامل قوة المخزن المزيفة…
طرح مراقبون على مدى السنوات الأخيرة، سؤالا جوهريا حول، ما الذي يجعل الإحتلال المغربي ينتهج سياسات وصفتها دوائر الصحافة المخزنية ب”الدبلوماسية الهجومية”، والتي بدأت تتشكل منذ إنضمامه للإتحاد الافريقي، حيث يبتز المخزن من خلالها دبلوماسيته الإستفزازية ويضغط هنا ويشاكس هناك، ويستهدف بألاعيب المقايضة تارة والتهديد والضغط تارة أخرى دول مؤثرة في الملف الصحراوي كألمانيا وإسبانيا وجنوب إفريقيا والجزائر وموريتانيا…، بغرض تغيير أو تليين مواقف تلك البلدان من كفاح الشعب الصحراوي، والحصول على قبول منها لتغريدة ترامب حول “السيادة” المزعومة على الصحراء الغربية، أو على الأقل عدم معارضتها، وهي التغريدة التي حاولت الرباط أن تستغل مفعولها لتكريس واقع الإحتلال لبلادنا في أسرع وقت ممكن، ويبدو أن فضيحة “بيغاسوس” أفصحت عن جانب من ذلك الجواب.
إذ يعتقد أن القوة المزيفة، التي ينطلق من خلالها المخزن المغربي لإنتهاج سياساته “البوريطية” العدائية، قد يكون مصدرها الأول حيازة المخزن لطائرات الدرون المصنعة صهيونيا وتوريده لمختلف البرامج التجسسية الإسرائيلية، وتقنيات المراقبة الشاملة، الموفرة للإسناد الإستخباراتي لصالح واقع الإحتلال المغربي في الصحراء الغربية، عبر المراقبة ذات الأهداف العسكرية في المناطق الصحراوية، وكذا من خلال معرفة المواقف المعلنة والخفية للدول المؤثرة بالملف الصحراوي والعوامل المشكلة لتلك المواقف والسبل الكفيلة بتوجيهها لصالح الإحتلال، إضافة لقرصنة البيانات والملفات الشخصية لقادة وشخصيات بارزة في تلك البلدان قصد إبتزازهم وتهديدهم، وهو ما كشفته تسريبات مشروع “بيغاسوس”، إضافة لسبب رئيسي أخر يدفع الرباط لإنتهاك سياسات إستفزازية رعناء، وهو الدعم السياسي والمالي والعسكري الإماراتي، الذي توفره المحمية الباحثة عن مؤطئ قدم لها بمنطقة الساحل والصحراء وشمال إفريقيا، والراغبة وبشدة في كسب نفوذ أكبر من حجمها الديمغرافي والحضاري والجغرافي، وهي الدولة الخليجية الوظيفية الحليفة للكيان الصهيوني والغرب، حيث مع كل تلك العوامل يحس المخزن بالقوة والحماية اللازمة لإجراء مزيد من التحركات الدراماتيكية في مسعى “لحسم الصراع”!، نتيجة لغياب المساءلة والضغط الدولي.
يجب على حلفاء الشعب الصحراوي وشعوب شمال إفريقيا عموما الوصول إلى قناعات راسخة بأن المغرب أصبح مجرد قاعدة لوجستية للتجسس ووكرا لعملاء المخابرات الإسرائيلية ومشغلا لتقنياتهم، وبيدقا ينفذ الأجندات الصهيوغربية في المنطقة، وهو ما يحتم الوقوف يدا واحدة، وبذل المزيد من الجهود الدبلوماسية لمحاصرة المخزن وتأديب أطماعه التوسعية وكبح جهوده التأمرية ضد دول وشعوب المنطقة، والتي يغذيها وبلا شك حصوله على معونات مالية وعسكرية ودعم دبلوماسي من الحلف الخليجي وإسناد أمني ومخابراتي من الكيان الإسرائيلي الغاصب، وعلى الدول المجاورة أن تدرك جيدا أن الشعب الصحراوي ليس المستهدف الأوحد، بل دائرة الإستهداف تتسع لتشمل بلدان الشمال الإفريقي والساحل والصحراء ككل، فهل تفهم المنطقة ما يحضر لها من أجندات تخريبية؟، وتقف بشكل أكثر حزما إلى جانب كفاح الشعب الصحراوي، دبلوماسيا وسياسيا وعسكريا وتقنيا وإعلاميا…، أم تكتفي بردات الفعل الغير مجدية وتنتظر أن يصنع المتأمرون مصيرها؟.
عالي محمدلمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.